الأحد، 15 سبتمبر 2013

ما لا نعرفه عن غشاء البكارة


من المؤسف أنّنا اختزلنا أجمل القيم وأرقاها في قذارة أهوائنا و ما يُمليه علينا جهل عقولنا. قيم مثل الشرف والحب والرجولة والأنوثة والشهامة أفقدناها معناها بل واستبدلناه بتراهات وأساطير من صُنع رغباتنا بالحالة التي نشتهي سير الأمور عليها، وليس الحالة المُثلى لسير الأمور.
أذكر مقالة نشرتها صحيفة الغد منذ ما يقرُب من أربعة سنين، تتحدّث عن مدى الجهل الذي يعيشه المتزوّجون حديثاً بمجريات ما يُطلق عليه "ليلة الدُخلة"، تؤدّي إلى الطلاق في أحسن الأحوال، وقد تؤدّي إلى أذيّة جسدية ونفسية للمرأة، وفي أسوأ الحالات غير البعيدة، تنتهي بالموت!
يرى الخبراء والمُختصّون أن سبب فشل التواصل الجنسي ما بين العروسين في ليلة الدُخلة، كذلك سبب بعض حالات ما يُطلق عليه "جرائم الشرف"، ناجم عن غياب الثقافة الجنسية في الدرجة الأولى، وما يتبع ذلك من مفاهيم مجتمعيّة خاطئة للجنس والشرف والعلاقة ما بين الجنسين، غُرست في النهج التربوي منذ الصغر.

ثقافة العيب والحرام، إن صح تسميتها "ثقافة" أصلاً، تلعب دور جوهري كبير في المآسي المرتبطة بكل ما له علاقة بالجنس والعمليّة الجنسية.
ليلة الدُخلة مثلاً، في مجتمعنا، هي بعيدة كلّ البُعد عن كونها ليلة روحانيّة تتجلّى فيها المشاعر والرغبة والأُنس وجماليّة صورة الوحدة الجسدية والروحيّة ما بين كيانين مُختلفين. بل هي تلك الليلة المصيريّة التي ستظهر فيها الحقيقة وستتم فيها مهمّة فضّ البكّارة (عُذريّة الفتاة، تغاضياً عن عُذرية الرجل) وتنصيبها رسميّاً كإحدى ممتلكات الرجل الأبديّة.

العلاقة الجنسيّة وتبائعها هي من مقوّمات الحياة الطبيعية، سُنّة كونيّة غريزيّة أوجدها الله في خَلقه، دعا إليها في دياناته، حثّ عليها في كُتبه، أعطى القدوة فيها ممّن إصطفاهم من عِباده، مع ذلك، شِئنا أن نتكابر على الأكبر، وقرّرنا جعلها في طيّات العيب.

في العُرف والتقليد فالسؤال الجنسي مهما كان نوعه، هو مُعيب، وغالباً ما يُؤخذ كحُكم مغلوط على السائل؛ إمّا بالتشكيك بنواياه أو بأخلاقه أوبتَربيته.
مع ذلك، فعند الزواج، يُطلب فجأةً وبدون أي تمهيد مُسبق، فضّ الغُبار عمّا ما لا ملامح له في الأصل عند أيٍّ من الطرفين، ومزاولته كأمرٍ طبيعي بحجّة أنه أصبح مُندرجاً تحت باب الحلال والمشروع.

من إحدى الحالات، قصّة (ع) في لقاء منقول لها عن جريدة الغد.
تقول (ع) إنّها، وبعد انتهاء حفلة الزفاف ورُجوعها إلى منزلها مع زوجها، الذي يكبًرها بأربعة أعوام، اكتشفت أنّ "اللعبة قد انتهت". وتُضيف: "كنتُ أعتقد أنني ألعب لعبة (عروس وعريس)، لم أكن أتصوّر أن هناك جماعاً حقيقيّاً ومعاشرة يجب أن أقوم بها".
الخوف استبدّ بـ (ع) في تلك الليلة، الأمر الذي لم يتفهمه زوجها، والذي أصرَّ على الدخول بها، لكنّه لم يُفلح أمام قلقها وخوفها.
في اليوم التالي، كان همُّه الوحيد القيام بهذه العملية، لكنّ خوفَ الفتاة لم يتبدد. الفاجعةُ تعمّقت أكثر عندما صارح العريسُ المحبطُ والدَته بفشله في "إثبات" رجولته لموقف العروس السلبي.
تقول (ع) إن زوجها "قام بمسايرة والدته لإنقاذه من ورطته، لكنها سرّعت بدلاً من ذلك في طلاقنا المبكّر".
وعمِلت الوالدة، القلقة على رجولة ابنها، على توثيق العروس، وخلع ملابسها عُنوةً وتحت الضرب، بل وأجبرت ابنها على أن يقوم بعملية الجماع أمامها، ليثبت للجميع بأنه رجل.
لكن هذه المخططات لم تَفلح، وكان نصيب الفتاة هو الطلاق المبكر، وكان على الشاب أن يتزوج بأسرع وقت مُمكن ليُثبت لعائلته بأن العيب ليس منه، وأنه رجل يستحقّ الإحترام.

... غشاء البكّارة؛ عزيزي القارئ، هو نسيج مخاطي رقيق غير كامل يغطّي فتحة المهبل، يحتوي فتحة صغيرة تسمح بنزول دم الحيض وبعض الإفرازات المهبلّية المنظّفة له. كما يُعتبر من أجزاء الفرج الخارجيّة، هو ليس عضو داخلي خَفي كما يعتقد معظم الناس.
إختصّه الخالق الفتاة، للحفاظ على المهبل نظيفاً وإلتقاط الجراثيم والميكروبات ومنع دخولها قناة المهبل.
...لا، ليس شَرف أحد، وليس وجوده أو عدم وجوده علامة صريحة على عُذريّة الفتاة.

لغشاء البكّارة، أشكال عدّة، والشكل الطبيعي له كما هو موضَّح بالصورة A. (اللون الأسود يُمثّل الثُّقب الذي يسمح بخروج دم الحيض)

وفي أغلب الأحيان يكون غشاء البكّارة حلقيّ الشكل. كما يتّخذ أشكال أُخرى منها الشكل الهلالي والغربالي كما يوضّح الشكل C:

١- الشكل الحلقي
٢- الشكل الغربالي
٣- ثنائيّ الفتحات
٤- ثلاثيّ الفتحات
٥- الشكل الشفوي
٦ - ذو المنفذ الصغير

(اللون الأسود يمثّل الثقوب التي تسمح بخروج دم الحيض)

تنوّع أشكال البكّارة لا يؤثّر بأي شكل على عمليّة الإيلاج والجماع؛ فمهما إختلف الشكل، الفضّ سيكون بالطريقة نفسها.
الشكل ليس أكثر من دراسة مُعمّقة لماهيّة البكّارة، وأُعطيت أسماء علميّة للإستدلال عليها.

أمّا المأساة فتكمن إذا ما كانت طبيعة الغشاء مطاطيّة؛ وهذا نوع نادر جداً. يتميّز هذا الغشاء بصعوبة فضّه، وغالباً لا يُفضّ إلا عند الولادة.
وطبعاً، عروسٌ خائفة وعريسٌ جاهل ولا علامة حمراء، هي نهاية تلك الليلة، أو قد تكون نهاية الفتاة البِكر "اللا عذراء"!

وفي أحوال نادرة أخرى، يكون غشاء البكّارة مُغلق بالكامل وخالي من أيّة ثقوب، بمعنى آخر، يسدّ فتحة المهبل سدّاً مُحكماً، كما يظهر في الصورة B.
عند وصول مثل هذه الفتاة سنّ البلوغ، تظهر عليها مظاهر البلوغ جميعها بإستثناء نزول الطمث. بعد أشهر، وفي حال عدم أخذ أي إستشارة طبيّة تُذكر، يتفاقم الأمر بتكوّن ورم أسفل بطن الفتاة حيث الرحم، يزداد حجمه بتتابع الشهور، سببه إحتباس الطمث في الرحم لعدم وجود منفذٍ له، وقد تشعر الفتاة بآلام الطمث في كل شهر دون ظهوره.

مصير مثل هكذا فتاة مُتوقّع؛ تبدأ الشكوك تُراود الأهل والأقارب، ومع تتابع الأشهر، يظهر أسفل البطن فوق العانة كما في الشهور الأولى من الحمل. وإن تأخّرت في الكشف الطبي، ليس من المُستبعد أن تكون ضحيّة حمل سِفاح وزلل بإسم الشرف!

مِثل هذه الحالة، علاجها بسيط لا يتعدّى علاج جراحي طفيف بعمل فتحة صناعيّة في غشاء البكارة لإخراج دم الحيض المُتجمّع.

حالة نادرة أُخرى، هو النوع اللحمي من غشاء البكّارة.
في هذه الحالة، فلا وجود لغشاء البكّارة أصلاً نتيجة عيب خُلقي.


الصورة D تُظهر غشاء البكّارة قبل الفضّ والإيلاج (يسار) وبعده.

اللجوء للكشف الطبّي لا بدّ منه في بعض الحالات -- كالحالات السابقة مثلاً -- ، تدارُكاً لسوء التّفاهم والأحكام الظالمة والفِصال المأساوي الناجم عن الهلع والذي مُسبّبه الرئيس هو الجهل.

تتجلّى بعض المُعتقدات الخاطِئة بأن رُكوب الدراجة أو التزحلق والوقوع على الأرض أو مزاولة رياضة بدنيّة معيّنة قد تأتي بالضرر على البكّارة.
كما لا تؤثّر أمور أخرى كإرتداء البناطيل الضيّقة، الإستحمام في البانيو، غزارة دم الدورة، الإمساك الشديد وما يصاحبه من حزق، على البكّارة من قريبٍ أو بعيد.

على الجانب الآخر، فالرياضات التي تتطلّب ليونة حركة كبيرة خاصّة في منطقة الأرداف، كالباليه والجمباز وركوب الخيل، بالإضافة إلى إدخال الأصابع في فتحة المهبل أثناء ممارسة العادة السرّية مثلاً، قد تؤدّي إلى أذيّة لا بأس بها.

الثقافة الجنسيّة موضوع متشعّب ولا يقتصر على معرفة مفصّلة بغشاء البكّارة؛ لكنّ الإلمام بهذا الجانب البسيط منه قد يُعتبر بداية وأساس جيّد على تفهُّم ما هو تابعٌ له في فن وأخلاق المعاشرة الجنسيّة.

العُذريّة خُصّصت لكلا الجنسين؛ وقد وُجدت لأسباب وظيفيّة بيولوجيّة قبل كونها رمز أخلاقي. هي هِبة أُعطيت بأشكالٍ عدّة، لكنّ عدم فهم أُسلوب عملها، قد يستبدُل قطرة حمراء ببحرٍ منها .

0 التعليقات:

إرسال تعليق